كلمات إبن السبيل
سار والدرب ركام من غباء ... كل شبر فيه شيطان بدائي
كان يرتد ويمضي مثلما ... تخبط الريح ، مضيقا من عناء
بين جنبيه ، جريح هارب ... من يد الموت ، ومسلول فدائي
يصلب الخطو على ذعر الحصى ... وعلى جذع مديد من شقاء
وعلى منعطف أو شارع ... من دم الذكرى وأنقاض الرجاء
من يعي يسأله : أين أنا؟ ... ضاع قدامي ، كما ضاع ورائي
والى لا منتهى هذا السرى ... في المتاهات ، ومن غير ابتداء
انني أخطو على شلوى وفي ... وهوهات الريح ، أشتم دمائي
من يؤاويني ؟ ايصغي منزل ... لو أنادي ، أو يعي أي خباء ؟
الممرات مغارات لها ... وثبة الجن، وإجفال الظباء
وهناك الشهب غربان ، بلا ... أعين ، تجتاز غيما لا نهائي
وهنا الشمس عجوز ، تحتسي ... ظلّها ، تصبو إلى تحديق رائي
من دنا منسّي ؟ وكالطيف النوى ... ونأى ، خلف خيالات التنائى
من وراء التلّ عنّت غابة ... من أفاع ، وكهوف من عواء
وعيون ، كالمرايا ، لمعت ... في وجوه ، من رماد وانحناء
انه حشد ، بلا اسم وجهه ... خلفه مرآه تزوير الطلاء
من يرى ؟ أي زحام ودرى ... انه يرنو إلى زيف الخواء ؟
وبلا زاد ولا درب مضى ... كالخيالات الكسيحات الظماء
تخفق الأحزان ، في أهدابه ... وتناغي ، كعصافير الشتاء
ينحني، يستفسر الاطراق من ... وجهه الذاوي ، وعن باب مضاء
عن يد ، صيفية اللّمس وعر شرفة ... جذلى ، وعن نبض غناء
وتأنت نجمة أرسى على ... جفنها طيف ، خريفيّ الرّداء
فتملاها مليّا وارتدى ... جوّ عينيه ، أصيلا من صفاء
والتظى برق ، تضنّى خلفه ... ألف دنيا ، من ينابيع السخاء
وبلا وعي دنا ، من كوخه ... كغريق ، عاد من حلق الفناء
فأحسّ الباب يلوي حوله ... ساعدي شوق ، وحضنا من بكاء
اين من يسأله ، يخبره ... عن مآسيه فيحنو أو يرائي؟
وجثا ، يحنو عليه منزل ... سقفه الثلج ، وجدران المساء
وكما تنجرّ أمّ ضيّعت ... طفلها ، يبحث عن أدنى غذاء
يجتدي الصمت نداء أو يدا ... أو فما يفترّ ، أو رجع نداء
ويداري السّهد أو يرنو الى ... ظلّه ، يختال في ثوب نسائي
فتعاطيه مناه أكؤسا ... من دخان ، واحتضانا من هباء
تحتسي أنفاسه أمسية ... عاقر ، تمتص ألوان الهواء
هل هنا لابن سبيل الريح من ... موعد ؟ أو ها هنا دفء لقاء ؟
عاد من قفر دخاني ، الى ... عامر ، أقفر من ليل العراء
وغدا يبتديء الأشواط من ... حيث أنهاها ، إلى غير انتهاء
يقطع التيّه ، إلى التيه ، بلا ... شوق أسفار ، ولا وعد انثناء
وبلا ذكرى ، ولا سلوى رؤى ... وبلا أرض ، ولا ظل سماء
عمره دوّامة من زئبق ... وسهاد ، وطريق من غباء